الشيخ عبد الغني النابلسي

178

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

واعلم - أيّدنا اللّه وإيّاك بروح منه - أن مثل هذا العطاء إذا حصل للعبد أيّ عبد كان فإنّه لا ينقصه ذلك من ملك آخرته ، ولا يحسب عليه ، مع كون سليمان عليه السّلام طلبه من ربّه تعالى . فيقتضي ذوق الطّريق أن يكون قد عجّل له ما ادّخر لغيره ويحاسب به إذا أراده في الآخرة . فقال اللّه له : هذا عَطاؤُنا ولم يقل لك ولا لغيرك فَامْنُنْ أيّ أعط أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ ص : 39 ] . واعلم يا أيها السالك أيدنا ، أي قوّانا وسددنا اللّه تعالى وإياك بروح منه طاهرة من لوث الطبيعة ، منفوخة على التحقق بالحقيقة والتمسك بالشريعة أن مثل هذا العطاء السليماني والملك الظاهر الرباني إذا حصل للعبد من مولاه تعالى أي عبد كان فإنه لا ينقصه ذلك العطاء من ملك آخرته شيئا ولا يحسب بالبناء للمفعول ، أي لا يحسبه اللّه تعالى عليه ، أي على ذلك العبد من جزائه في الآخرة على عمله الصالح في الدنيا مع كون سليمان عليه السلام طلبه ، أي الملك من ربه تعالى في قوله : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ ص : 35 ] فيقتضي ذوق ، هذا الطريق إلى اللّه تعالى وهو مذهب المحققين من العارفين أن يكون قد عجل ، أي عجل اللّه تعالى في الدنيا له ، أي لسليمان عليه السلام ما ادخره ، أي ادخره اللّه تعالى لغيره في الآخرة من الجزاء كما قال : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا [ الأحقاف : 20 ] ، ويحاسب ، أي يحاسبه اللّه تعالى به ، أي بسبب ما ناله من الملك في الدنيا إذا أراده ، أي الملك في الآخرة فقال اللّه تعالى له ، أي لسليمان عليه السلام هذا عَطاؤُنا ولم يقل له عطاؤنا لك ولا عطاؤنا لغيرك إذ لو قال عطاؤنا لك لكان جوابا لسؤاله فيكون عجل له جزاءه وحوسب به من ملك الآخرة فهو عطاء لكل من أعطاه سليمان عليه السلام فامنن أي أعط منه من شئت ، فيكون ذلك عطاؤنا من شئت أو أمسك ممن شئت فيكون ذلك عين الممسك منا والمنع . قال تعالى : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [ فاطر : 2 ] بغير حساب عليك منا في الآخرة ، لأنك مظهرنا ، ففعلك فعلنا في العطاء والمنع ، فلا حساب عليك منا . * * * فعلمنا من ذوق الطّريق أنّ سؤاله ذلك كان عن أمر ربّه . والطّلب إذا وقع عن الأمر الإلهي كان الطّالب له الأجر التّامّ على طلبه . والباري تعالى إن شاء قضى حاجته فيما طلب منه وإن شاء أمسك ، فإنّ العبد قد وفّى ما أوجب اللّه